عبد الملك الجويني

67

نهاية المطلب في دراية المذهب

والوجه عندنا تخريجُ هذا الفن على الخلاف ؛ فإنه متردّد بين الأصل المأكول ، وبين الانصراف عن جهة الأكل لغرض في العادة . فرع : 2945 - اختلف الأئمة في بلع السمكة الحيّة ؛ فإن منعنا ذلك ، فليس السمك مال ربا في الحياة . وإن جوزنا بلْعَها ، فقد تردد شيخي في إجراء الربا فيها ، وهذا بعيدٌ عندي . والوجه القطع بأنه لا ربا فيها ؛ فإنها لا تُعدّ لهذا الشأن . وكان تخصيص ما ذكره بالصغار التي تُبتلع . وتردّد صاحب التقريب في السمكة ، وبنى أمرها على ما ذكرناه ، وقطع بالفصل بين الكبار والصغار . وأما الماء ، فمطعوم لا شك فيه ، والمذهبُ أنه مملوك يباع ، فهو مال رباً . ومن أصحابنا من قال : الماء لا يُملك ؛ فيمتنع عنده بيع الماء بالدراهم ، وسأذكر أحكام المياه مجموعةً في إحياء المواتِ ، وتمام الضبط في هذا أن المعتبر في الاعتداد بالطُّعم حالةُ الاعتدال والرفاهية ، فأما ما يطعم في سِني الأَزمِ والمجاعة ، فلا معوّل عليه . فصل في اعتبار طريق التقدير 2946 - ما جرى في تقديره طريقٌ في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو المعتبرُ فيما يحرم فيه التفاضل ، فالحنطة والتمر والشعير كانت تكال ، فلا يجوز بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس وزناً بوزنٍ ، وإن كان الوزن أحصرَ من الكيل ، ولكن المتبعَ الشرعُ ، وإن صح الوزن في شيء في عَصر الشارع صلى الله عليه وسلم ، تعيّن الوزنُ فيهِ ؛ حيث تحرم المفاضلة . فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة " ( 1 ) فما معنى الحديث ؟ قلنا : لعل اتخاذ المكاييل كان يعمُّ في

--> ( 1 ) الحديث عن ابن عمر ، أخرجه أبو داود في البيوع ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " المكيال مكيال المدينة " ، ح 3340 ، والنسائي في الزكاة ، باب كم الصاع : 5 / 54 ح 2521 ، وفي البيوع ، باب الرجحان في الوزن : 7 / 284 ، ح 4598 ، وصححه ابن حبان : =